أحمد بن علي الرازي

176

شرح بدء الأمالي

كان القارئ جنبا ، ومرة طابت ومرة لا تطيب . والمفرد دال على كلامه فثبت أن كلامه صفة أزلية قائمة بذاته « 1 » وهو غير مخلوق ، فكلامه بدءا بلا كيفية قولا ، وأنزله على نبيه وحيا ، وصدق المؤمنون على ذلك حقا ، وأثبتوا أنه كلام الله تعالى على المعنى الّذي قلنا بالحقيقة ، صفة أزلية لا كلام البرية ، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فلا شك أنه قد كفر « 2 » ، وقد ذمه الله تعالى وعابه وأوعده عذابه حيث قال : سَأُصْلِيهِ سَقَرَ [ المدثر : 26 ] . فلما أوعد الله تعالى بسقر لمن قال : إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ [ المدثر : 25 ] . علمنا [ 102 ] أنه قول خالق البشر ، ولا يشبهه قول البشر ، فمن أنصر هذا اعتبر . وعن مثل قول الكفار : انزجر طوبى لمن صدّقه ، وويل لمن كذّبه ، واعلموه حقا ، وأعلموا به حقيقا فهو كتاب حكيم كلام المالك الكريم وهو أصلح للعباد مما اختاروا لأنفسهم . فإن قيل لك : هل قال الله تعالى ؟ قل : نعم . فإن قيل : متى ؟ فقل : بلا متى ، وإن قيل أين ؟ فقل : بلا أين ، وإن قيل كيف ؟ فقل : بلا كيف ، وإن قيل : فلم ؟ فقل : بلا لم ، فإن قيل : غليظا أم خفيفا أم دقيقا ؟ فقل : لا غليظ ولا خفيف ولا دقيق ، فإن قيل : بصوت أم بغير صوت ؟ فقل : بلا صوت ، لأن الأصوات تدرك تجانسها بالجنس ، فلو كان كلامه صوتا لكان من جنس هذه الأصوات « 3 » ، وذلك محال .

--> ( 1 ) قوله : « كلامه صفة أزلية قائمة بذاته وهو غير مخلوق » . ذكرنا من قبل أن الكلام صفة من صفات الله الذاتية الفعلية ينطبق عليها حد الذاتية ويصلح فيها تقدير إذا شاء ، فحد الذاتية هي التي يقرها المؤلف ، أما تقدير إذا شاء فهي التي ينفيها المؤلف عن الله ؛ لأنه يتوهم حدوثها ، والحوادث بطبيعة الحال مخلوقة ، وهذا وهم منه ، والأدلة من الكتاب والسنة دالة بوضوح وبألفاظ حقيقية ومحكمة على معانيها أن الله يتكلم مع من شاء وقت ما شاء بصوت وحرف ، ولم يوجد عند المانعين دليل على نفى إبطال هذه الأدلة المستفيضة إلا السفسطة والكلام الّذي ليس عليه برهان ، قال الله تعالى : قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ والله أعلم . ( 2 ) قوله : « فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فلا شك أنه كفر » ، يقصد من سمع القرآن الّذي هو عبارة عن كلام الله أو دلالة على كلام الله على حسب اعتقاده ، وهو مذهب باطل كما أوضحنا ، والحق أنه كلام الله حقيقة لا مجاز وليس عبارة أو دلالات عليه كما زعم ، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فلا شك أنه قد كفر وقوله هذا حق أريد به باطل ، والله أعلم . ( 3 ) هذا باطل لأنا نعلم وندرك بيقين أن الله تعالى ليس كمثله شيء لا في صفاته الذاتية ولا الفعلية ونعلم أنه كلم موسى تكليما وسيأتي خلاصة ما عليه أهل السنة في هذه المسألة .